محمد جمال الدين القاسمي

270

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وإجلاله وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ أي : فيهلك بها من يشاء . وقوله تعالى : وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ يعني الكفرة المخاطبين في قوله تعالى : هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ وقد التفت إلى الغيبة إيذانا بإسقاطهم عن درجة الخطاب وإعراضا عنهم ، وتعديدا لجناياتهم لدى كل من يستحق الخطاب . كأنه قيل : هو الذي يفعل أمثال هذه الأفاعيل العجيبة ، من إراءة البرق وإنشاء السحاب الثقال وإرسال الصواعق الدالة على كمال علمه وقدرته . ويعقلها من يعقلها من المؤمنين أو الرعد نفسه والملائكة . ويعملون بموجب ذلك من التسبيح والحمد والخوف من هيبته تعالى و ( هم ) أي الكفرة الذين حكيت هناتهم مع ذلهم وهوانهم وحقارة شأنهم ، يجادلون في شأنه تعالى ، بإنكار البعث واستعجال العذاب ، استهزاء واقتراح الآيات . قالوا ولعطف الجملة على ما قبلها من قوله تعالى : هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ . أفاده أبو السعود . أي : يريكم ما ذكر من الآيات الباهرة الدالة على القدرة والوحدانية . وأنتم تجادلون فيه و ( الجدال ) أشد الخصومة ، من ( الجدل ) بالسكون - وهو فتل الحبل ونحوه لأنه يقوى به وتشتد طاقته . وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ أي : والحال أنه شديد المماحلة والمماكرة والمكايدة لأعدائه . يأتيهم بالهلكة من حيث لا يحتسبون من ( محله ) إذا كاده وعرّضه للهلاك ، ومنه ( تمحّل لكذا ) إذا تكلف استعمال الحيلة واجتهد فيه . تنبيه : ذكر في العلم الطبيعي : أن الصواعق شرارات تنطلق دفعة واحدة من تموّجات السحب ومصادمتها لبعضها : فيحصل في الهواء اهتزاز قوي ، وأما الرعد فهو الصوت الذي يحصل من ذلك الانطلاق ويصل إلينا ببطء على حسب بعد السحب الحاملة للصواعق عنا . وعلى حسب اتساع السحب ، يطول سماعنا لصوت الرعد وإذا لمع البرق من السحابة ، فقد تمت نتائج الصاعقة فمتى مضت برهة لطيفة بين لمعان البرق وسماع الرعد ، فقد أمن ضررها . فإن لم يمض بينهما شيء ، بأن كان الإنسان قريبا من محل الصاعقة وسمع الرعد مع مشاهدة البرق في آن واحد ، أمكن أن يصاب بالصاعقة في مرورها . وأما سبب انفجار الصاعقة فقالوا : من المعلوم أن انطلاق الكهربائية إنما يحصل باتحاد كهربائية الأجسام مع بعضها ، فإذا قرب السحاب من الأجسام الأرضية طلبت الكهربائية السحابية أن تتحد بالكهربائية الأرضية فتنبجس